عبد الكريم الخطيب

589

التفسير القرآنى للقرآن

فهنا - في هذا المعرض - نشهد تلك الحركة الدائبة التي يدور في فلكها الليل والنهار ، على هذا النظام الدقيق البديع ، الذي لا يتوقف لحظة ، ولا ينحرف قيد أنملة . وولوج الليل في النهار ، مغيبه فيه ، ودخوله في كيانه ، وكذلك ولوج النهار في الليل ، هو مغيبه في الليل ، وتواريه في داخله . . ومن هذه الصورة نرى الظلام مستكنّا في أحشاء النور : « يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ » ثم نرى النور مطويّا في كيان الظلام : « وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ » . . فمن أحشاء النور يخرج الظلام ، ومن أحشاء الظلام يولد النور . . وهذا من دلائل القدرة القادرة ، التي تؤلّف بين الأضداد . . « يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ . . ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ؟ » ( 95 : الأنعام ) . ومن آياته سبحانه ، أنه سخر الشمس والقمر ، وأجراهما على هذا النظام المحكم ، فجعل الشمس ضياء والقمر نورا ، فتتجلّى آية الشمس في النهار ، ونتجلى آية القمر في الليل : « تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً » ( 61 : الفرقان ) . . ولكلّ من الشمس والقمر فلكها الذي تدور فيه ، من غير أن ينحرف أىّ منها عن مداره : « لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ » ( 40 : يس ) . وقوله تعالى : « إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى » . الأجل المسمى ، هو الزمن المحدد لدورة كلّ من الشمس والقمر ، أو هو الأمد المحدد لهما الجريان فيه ، ثم إذا انتهى هذا الأمد توقّفا ، أو أخذا اتجاها آخر . . شأنهما في هذا شأن كل مخلوق . . فلا دوام لحال أبدا . . - وقوله تعالى : « وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ » معطوف على قوله تعالى :